وهبة الزحيلي

115

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

آخر ، وهما النظر في النجوم ، وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ ، قاصدا بالأول أنه يعلم بعلوم النجوم ، وأنه تفكر فيما يعمل لما كلّفوه الخروج معهم ، وبالثاني أنه سيمرض مرض الموت ، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ، ثم يموت ، فتوهموا هم أنه سقيم الآن ، وهذا تورية وتعريض ، كما قال للملك لما سأله عن سارّة : هي أختي ، يعني أخوة الدين . و في الصحيح الذي أخرجه أحمد والشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات » والكذب تعريضا والتورية أمر جائز مباح . وقيل : أراد أنه سقيم النفس لكفرهم ووثنيتهم . 6 - دبر إبراهيم عليه السلام خطة ناجحة لتحطيم الأصنام ، فقد مكث في البلدة حينما خرج القوم لعيدهم ومعبدهم ، بعد أن قدموا طعاما لأصنامهم لتباركه بزعمهم ، أو للسدنة ، فجاء إليهم ، وخاطبهم كما يخاطب العقلاء قائلا على جهة التهكم والاستهزاء : أَ لا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ؟ فلم يجيبوا ، وهو يعلم ذلك ، فانهال عليهم ضربا بقوة وشدة ، حتى دمرهم إلا كبيرا لهم ، كما في سورة الأنبياء ، لإلزام القوم بالحجة ، وتعريفهم خطأهم وأن هذه الأصنام لا تقدر حماية أنفسها . 7 - أقبل إليه القوم مسرعين ، بعد أن عرفوا أن الفاعل هو إبراهيم ، فقالوا : من فعل هذا بآلهتنا ؟ فقال محتجا : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ؟ أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم ، والنحت : النجر والبري . ثم قال : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام بالخشب والحجارة وغيرهما ، وبإيجاز : خلقكم وعملكم . وقد استدل أهل السنة بهذه الآية على أن الأفعال خلق للّه عز وجل ، واكتساب للعباد ، وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية . أخرج البخاري